العيني

49

عمدة القاري

ومَنْ يَسْتَعْفِفْ يُعِفَّهُ الله ومَنْ يَسْتَغْنِ يُغْنِهِ الله ومَنْ يَتَصَبَّرُ يُصَبِّرُهُ الله ومَا أُعْطِيَ أحَدٌ عَطَاءً خَيْرا وَأوْسَعَ مِنَ الصَّبْرِ . ( الحديث 9641 طرفه في : 0746 ) . مطابقته للترجمة ظاهرة ، ورجاله قد ذكروا غير مرة ، وابن شهاب هو : محمد بن مسلم الزهري . . ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره أخرجه البخاري أيضا في الرقاق عن أبي اليمان عن شعيب . وأخرجه مسلم في الزكاة عن قتيبة عن مالك وعن عبد بن حميد عن عبد الرزاق عن معمر ، ثلاثتهم عن الزهري عنه به . وأخرجه أبو داود فيه عن القعنبي عن مالك به . وأخرجه النسائي في الزكاة عن قتيبة وفي الرقاق عن قتيبة به وعن الحارث بن مسكين . ذكر معناه : قوله : ( إن ناسا من الأنصار ) لم يعرف أسماؤهم ، ولكن قال بعضهم : في رواية النسائي ما يدل على أن أبا سعيد منهم ، ففي حديثه : ( سرحتني أمي إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، يعني لأسأله من حاجة شديدة ، فأتيته وقعدت فاستقبلني فقال : من استغنى أغناه الله . . . ) الحديث ، وزاد فيه : ( ومن سأل وله أوقية فقد ألحف ، فقلت : ناقتي خير من أوقية ، فرجعت ولم أسأله ) . قلت : ليت شعري أي : دلالة هذه من أنواع الدلالات وليس فيه شيء يدل على كونه مع الأنصار في حالة سؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم ؟ قوله : ( سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاهم ) ، أي : شيئا . وهذه اللفظة في بعض النسخ ثلاث مرات . قوله : ( حتى نفد ) ، بكسر الفاء وبالدال المهملة ، أي : فرغ وفني ، وقال ابن سيده : وأنفده هو واستنفده . قوله : ( ما يكون ) ، كلمة : ما ، فيه موصولة متضمنة لمعنى الشرط . وقوله : ( فلم أدخره ) جواب الشرط ، ومعناه لن أجعله ذخيرة لغيركم معرضا عنكم ، والفصيح فيه إهمال الدال وجاء بإعجامها مدغما وغير مدغم ، لكن تقلب التاء دالاً مهملة ففيه ثلاث لغات . ويقال : معناه لن أحبسه عنكم ، ويروى عن مالك : ( فلن أدخره ) . قوله : ( ومن يستعف ) أي : من طلب العفة عن السؤال ولم يظهر الاستغناء عن الخلق ولم يقبل أن أعطى فهو هو إذ الصبر جامع لمكارم الإخلاق صلى الله عليه وسلم ( ومن يستغن ) أي ومن يظهر الاستغناء ( يغنه الله ) ( يعفه الله ) ، أي : يرزقه الله العفة ، أي : الكف عن الحرام ، يقال : عف يعف عفة فهو عفيف . قال الطيبي : معناه من طلب العفة عن السؤال ولم يظهر الاستغناء ( يغنه الله ) أي : يرزقه الغنى عن الناس ، فلا يحتاج إلى أحد . قوله : ( ومن يتصبر ) ، أي : من يعالج الصبر ، وهو ما باب : التفعل ، فيه معنى التكلف ( يصبره الله ) أي : يرزقه الله صبرا وهو من باب : التفعيل . قوله : ( عطاء ) أي : شيئا من العطاء . قوله : ( خيرا ) ، بالنصب صفته ، ويروى : خير ، بالرفع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو خير . ويستفاد منه : إعطاء السائل مرتين والاعتذار إلى السائل والحض على التعفف . وفيه : الحث على الصبر على ضيق العيش وغيره من مكاره الدنيا . وفيه : أن الاستغناء والعفة والصبر بفعل الله تعالى . وفيه : جواز السؤال للحاجة وإن كان الأولى تركه والصبر حتى يأتيه رزقه بغير مسألة . وفيه : ما كان عليه ، صلى الله عليه وسلم ، من الكرم والسخاء والسماحة والإيثار على نفسه . 0741 حدَّثنا عَبْدُ الله بنُ يُوسُفَ قال أخبرنا مالِكٌ عنْ أبِي الزِّنادِ عنِ الأعْرَجِ عَنْ أبِي هُرَيْرَةَ رضي الله تعالى عنهُ أنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم . قال وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لأَنْ يَأْخُذَ أحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَأتِيَ رَجُلاً فَيَسْألَهُ أعْطَاهُ أوْ منَعَهُ . . مطابقته للترجمة من حيث إن من عمل بهذا الحديث يحصل له الاستعفاف عن المسألة . ورجاله قد تكرروا ، وأبو الزناد عبد الله بن ذكوان ، والأعرج عبد الرحمن بن هرمز . والحديث أخرجه النسائي أيضا في الزكاة عن علي بن شعيب عن معن ابن عيسى عن مالك به . ذكر معناه : قوله : ( لأن يأخذ ) اللام فيه للتأكيد ، وفي الموطأ : ( ليأخذ أحدكم ) . قوله : ( حبله ) أي : رسنه . قوله : ( فيحتطب ) أي : فإن يحتطب أي : يجمع الحطب . قوله : ( خير ) ، مرفوع لأنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو خير له . قوله : ( فيسأله ) أي : فإن يسأله ، وفي رواية الدارقطني في رواية ابن وهب : ( خير له من أن يأتي رجلاً قد أعطاه الله من فضله فيسأله ) . قوله : ( أعطاه أو منعه ) لأن حال المسؤول منه إما العطاء ففيه المنة وذل السؤال ، وإما المنع ففيه الذل والخيبة